- (حضرموت24) صــلاح مبارك:
في مثل هذا اليوم من العام الماضي رحل عن دنيانا الفانية واحدًا من الأسماء الإعلامية والثقافية البارزة في حضرموت واليمن عامة ممن أتسمت حياته بالعطاء الفريد والمتنوع في الكثير من الجوانب .. أنه الأستاذ عزيز الثعالبي الذي شكل خبر وفاته صدمة لمحبيه وللوسط الإعلامي والرياضي والفني عامة.
لقد ربطتني بالراحل عزيز - رحمه الله - علاقة زمالة وصداقة حميمة بدأت منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حيث كنت اقضي فترة الخدمة العسكرية بعد الثانوية العامة في عدن ثم أبين وخلال تواجدي هناك كانت لي صولات وجولات في مبني صحيفة 14 أكتوبر في المعلا إذ تعرفت على اساتذة كبار بينهم الأستاذ فتحي باسيف وهو صحافي مخضرم والمشرف على صفحة المحافظات، وفي فترات الاجازة أحمل المخاطبات والرسائل من الصحيفة إلى عزيز والعكس، وبعد نفاذ فترة الخدمة العسكرية اتاح لي الأستاذ فتحي باسيف رحمة الله عليه فرصة الانضمام إلى أسرة الصحيفة كمندوبا لها في المهرة وحالت ظروفا عديدة دون ذلك، و عند التحاقي بالعمل في مكتب وكالة أنباء عدن في المكلا تعمقت علاقتي أكثر بالأستاذ الثعالبي ، حيث انه كثير الحضور إلى مكتب الوكالة بحكم تجاوره لمكتبه في الدور الثالث من الجانب الغربي لقصر معين أيام احتضانه التوهج الثقافي والفني ويطوفه المبدعون من مختلف مؤسسات الثقافة والفن والإعلام قبل أن ينعق عليه الغراب.
كان عزيز بهي بطلته، سمح في تعامله.. بسيط في هيئته.. عفيف اللسان.. عميق في حديثه دون تصنع أو استعلاء.. حرصت على مرافقته في جولاته الصحفية اليومية راجلًا من مكتب إلى آخر، وحضور بعض لقاءاته مع زملائه ومنهم الأستاذ القدير سالم عوض باوزير الذي يمتدحه امامي كثيرا لما بينهما من علاقة ود متينة، و كلما عرجبنا لمبنى الدوائر الحكومية يتجه بي عزيز إلى مبنى المعهد الصحي خلف مستشفى باشراحيل للقاء باوزير حيث تنهمر ينابيع الحديث عن عالم الفن والرياضة والضحكة الحلوة .. كما رافقته إلى العديد من المدن الحضرمية واليمنية.. ومنها رحلتنا الخالدة إلى مدينة تعز في ضيافة الأستاذ الجليل أحمد هائل سعيد طيب الله ثراه.. وكانت لنا أيام..
عاصر عزيز أحداث ومراحل كثيرة بمتغيراتها وتقلباتها اكسبته مناعة في الحفاظ على التوازن في علاقاته مع الآخرين دون الاقتراب من أشواك السياسة الشائكة، وحصنته من الوقوع في شرك الخائبين ، كما أنه اختزل من معين ثراء معرفي وثقافي مكنته من امتلاك تجربة غنية في مجال الكتابة الصحفية والعمل الإعلامي.. فهو من مدرسة المؤسسين والرواد الكبار ، بل عاصرهم جميعا ويكن لهم الثناء، وفي سيرته تفاصيل لم تحكى عن مجالسته لكبار الأدباء والباحثين والشعراء والفنانين والرياضيين ، وتجمعت فيه عديد صفات ومواهب لا يحملها إلا رجل استثنائي مثله ..
استقر به المقام اكثر من نصف قرن في عشق الرياضة والصحافة الرياضية، ولم يغادر حبه الأول للفن والأدب ِ. لكن الرياضة استهوته كثيرا واصبح ذاكرة تاريخ الحركة الرياضية وشاهد على عصرها وراصد أحداثها في الصحافة
، بل مدونها في مؤلفه الضخم «عصر من الرياضة الأهلية في حضرموت» الذي حاول أن يجمع كل الوقائع والأحداث والاسماء لكن الكمال لله.. ويعد برنامجه الإذاعي الشهير «المجلة الرياضية» الذي هو بعمر إذاعة المكلا شاهد على إخلاص عزيز والتزامه المهنى..
.jpg)